إيران والطريق إلى القنبلة النووية: من أوبنهايمر إلى نطنز
إيران والطريق إلى القنبلة النووية: من أوبنهايمر إلى نطنز
في صباح عادي ظاهريًا، استيقظ العالم على كلمة واحدة تتردد في نشرات الأخبار والمقاهي وغرف السياسة: إيران.
لماذا الآن؟ وماذا يحدث في طهران؟ وهل اقترب الشرق الأوسط من لحظة نووية جديدة قد تعيد تشكيل توازناته بالكامل؟
هذه الأسئلة تقودنا في رحلة تبدأ من مختبرات القرن العشرين، مرورًا بمشروع مانهاتن، وصولًا إلى مفاعلات نطنز وفوردو، حيث يقف الشرق الأوسط اليوم على حافة “الردع النووي”.
إيران والملف النووي بعد انتهاء القرار 2231
في أكتوبر 2025، انتهى مفعول قرار مجلس الأمن رقم 2231، وهو آخر القيود القانونية المباشرة على البرنامج النووي الإيراني.
إعلان طهران أن آلية "سناب باك" الأوروبية باطلة، ورفضها العودة لأي التزامات سابقة، شكّل تحولًا جذريًا في المشهد الدولي.
هذا التطور لم يكن مجرد خبر سياسي؛ بل كان إشارة واضحة إلى أن اللعبة تغيرت، وأن العالم يدخل مرحلة أكثر هشاشة في ملف المراقبة النووية.
من أوبنهايمر إلى نطنز: كيف بدأ كل شيء؟
البداية تعود إلى مطلع القرن العشرين، عندما تحولت دراسة الذرة من نظرية علمية إلى اكتشافٍ يغيّر مصير العالم.
عام 1945، أجرى الأمريكيون أول اختبار نووي في صحراء نيو مكسيكو — تجربة “ترينيتي” التي أنجبت شمسًا من صنع الإنسان.
بعد أسابيع فقط، استخدمت الولايات المتحدة القنبلتين الذريتين في هيروشيما وناغازاكي، لتعلن للعالم ميلاد عصرٍ جديد من القوة النووية.
تبع ذلك سباق تسلح بين القوى الكبرى: الاتحاد السوفييتي، بريطانيا، فرنسا، الصين… وهكذا وُلد مفهوم الردع النووي — توازن الرعب الذي حافظ على السلام لعقود دون حرب عالمية ثالثة.
انتشار التقنية النووية وظهور لاعبين جدد
مع مرور الزمن، تسربت التكنولوجيا النووية إلى دول أخرى مثل الهند، باكستان، وإسرائيل.
امتلاك القنبلة أصبح مرادفًا للهيبة، ومصدرًا لتوازن القوى الإقليمي.
لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تغيرت المعادلة:
التقنيات الحساسة تسربت، وبدأت دول أصغر تبحث عن وسيلة للبقاء وسط فوضى التوازنات الجديدة.
هنا برز اسمان مثيران: كوريا الشمالية وإيران.
كوريا الشمالية وإيران: طريقان مختلفان نحو النووي
كوريا الشمالية اختارت الإعلان العلني والتحدي المباشر للعالم،
أما إيران فسارت في طريقٍ أكثر غموضًا، تبني قدرة نووية دون إعلان رسمي عن امتلاك سلاح.
الفرق بين الحالتين أن كوريا الشمالية استخدمت برنامجها النووي كورقة تفاوضية لضمان بقاء النظام،
بينما ترى إيران في التقنية النووية خيارًا استراتيجيًا طويل المدى — وسيلة ردع تمنحها نفوذًا في معادلات الإقليم.
جذور البرنامج النووي الإيراني
بدأ المشروع النووي الإيراني في عهد الشاه، بتعاون تقني مع الغرب ضمن مشاريع مدنية للطاقة.
لكن بعد ثورة 1979، تغيّر كل شيء.
النظام الجديد رأى في القوة النووية رمزًا للسيادة والردع، خاصة بعد تجربة الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، التي تركت في إيران قناعة عميقة بأن “الضعف قد يكون قاتلًا”.
منذ ذلك الحين، استثمرت طهران في بناء بنية تحتية نووية متكاملة:
منشآت تخصيب في نطنز وفوردو، شبكات توريد، أبحاث علمية، ومهندسون يعملون في الظل.
اتفاق 2015: هدنة قصيرة في سباق طويل
عام 2015، وُقّع الاتفاق النووي (JCPOA) بين إيران والقوى الكبرى،
الذي هدف إلى إبطاء قدرات إيران مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.
لكن انسحاب الولايات المتحدة لاحقًا أعاد الملف إلى مربع الخطر،
لتجد إيران نفسها أمام فرصة جديدة لتسريع برنامجها في غياب رقابة قوية.
ومع انتهاء القرار 2231، دخلت المنطقة مرحلة فراغ قانوني قد يسمح لطهران بالتحرك بحرية أكبر.
ماذا لو أصبحت إيران دولة نووية؟
الاحتمال الأخطر يتمثل في تأثير العدوى النووية في الشرق الأوسط.
إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا فعليًا، ستسعى قوى أخرى — مثل السعودية، تركيا، وربما مصر — إلى موازنة القوة بوسائل مشابهة.
إسرائيل من جانبها تعتبر أي قدرة نووية إقليمية تهديدًا وجوديًا، ما قد يدفعها لعمل عسكري استباقي.
النتيجة: سباق تسلح نووي جديد في أكثر مناطق العالم اضطرابًا.
الدرس من التاريخ: القوة لا تضمن الأمان
بعد أول اختبار نووي، قال أوبنهايمر: “لقد أصبحت الموت، مدمّر العوالم.”
كلماته لا تزال تُلخّص معضلة النووي حتى اليوم.
القوة التي تمنح الردع، قد تفتح الباب أيضًا لسباقٍ لا يمكن السيطرة عليه.
إيران اليوم على مفترق طرق:
إما أن تختار طريق “الخيار النووي” لتبقى لاعبًا مؤثرًا،
أو طريق التفاهم الدولي الذي يتطلب تنازلات مؤلمة.
الخلاصة
القوة المطلقة لا تعني الأمن المطلق.
الشرق الأوسط يقف أمام مفترق خطير:
إما بناء آليات ثقة ورقابة حقيقية،
أو الانزلاق نحو عصر جديد من الخوف النووي.
المعادلة بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه:
من يملك خيار الفناء، يملك ورقة التفاوض —
لكن أحدًا لا يملك السيطرة على النتيجة النهائية 🔊⬇️
تعليقات
إرسال تعليق