ما الفخ الذي يُجري نَصبه للجيش المصري في إثيوبيا؟
ما الفخ الذي يُجري نَصبه للجيش المصري في إثيوبيا؟
الجيش المصري ودوره الجيوسياسي
الجيش المصري ليس مجرد قوة عسكرية في المنطقة، بل هو قوة جيوسياسية وأحد أبرز أدوات الدولة المصرية في تعطيل المشاريع التي تهدد أمنها القومي. فهو من يشكل حائط الصد الأساسي في وجه مخططات ترحيل الفلسطينيين من أرضهم وتصفية القضية الفلسطينية.
وهو من يواجه مساعي إسرائيل للانفراد بالهيمنة على المنطقة. ولهذا حاولوا اختراق مصر وإغراقها في اقتتال أهلي، لكن الشعب المصري التف حول جيشه وأفشل المخطط.
حصار مصر بالأزمات وفخ إثيوبيا
اليوم تتواصل محاولات حصار مصر بالأزمات من كل اتجاه بهدف تشتيت قوى جيشها واستنزاف قدراته.
لكن تظل إثيوبيا هي الطُعم الأكبر، والسد الإثيوبي هو الأداة الأخطر في هذا الفخ.
الولايات المتحدة اعترفت بأنها قامت بتمويل السد، والعلاقات الإثيوبية الإسرائيلية وثيقة، وهدفهما المشترك هو مصر وإخراجها من معادلة القوة في المنطقة. وقد عبّر محللون إسرائيليون عن ذلك بصراحة حين دعوا إلى استبدال "السلام البارد" مع مصر بـ"حرب باردة".
السد الإثيوبي كورقة ضغط
الكارت الأقوى في يد خصوم مصر هو الماء.
تهديد الأمن المائي المصري بات الورقة الأخطر، والأداة التي يدفع بها النظام الإثيوبي لاستفزاز القاهرة، وذلك بالمضي في مشروع السد دون اتفاق، بل والسعي للوصول إلى البحر الأحمر لمزاحمة مصر على النفوذ وتغيير خريطة القوة في المنطقة.
كل ذلك يجري ضمن تصعيد محسوب هدفه دفع مصر إلى رد فعل عسكري يستنزف جيشها ويخرجها من معادلة الأمن القومي العربي.
وهنا دخلت إثيوبيا رسميًا على خط التصعيد، فأعلنت اكتمال بناء السد، ولم تكتفِ بذلك بل صرحت بنيتها إنشاء المزيد من السدود على مجرى النهر الدولي.
الاستنزاف ومحاولة جرّ مصر للرد العسكري
بهذا تحوّل السد إلى ورقة ضغط حقيقية بيد قوى ترى في الجيش المصري العائق الأكبر أمام تنفيذ مخططاتها في المنطقة.
الاستنزاف قد يبدأ باستفزاز الجيش المصري لتوجيه ضربة عسكرية قد تعرّض مصر لعقوبات دولية وتفتح عليها جبهات استنزاف عسكري واقتصادي في آنٍ واحد.
لكن مصر لم تقع في هذا الفخ، فالعمل العسكري ليس رد فعل عاطفي، بل قرار يخضع لحسابات دقيقة واشتراطات واضحة واستراتيجية محكمة.
قبل إطلاق أي عمل عسكري، هناك شروط لابد أن تتحقق، وأهمها أن يكون التحرك مشروعًا وفق القانون الدولي، استنادًا إلى المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة التي تُقر بحق الدول في الدفاع الشرعي عن نفسها إذا تعرضت لعدوان واضح لا يمكن إنكاره أو تجاهله.
الجهود الدبلوماسية والتحالفات السياسية
ولإقامة الحجة القانونية على أديس أبابا، كان لابد أن تكشف مصر للعالم أنها استنفدت كل الوسائل السلمية وسعت بكل جدية للتوصل إلى اتفاق قانوني بشأن السد، وهذا ما فعلته تمامًا.
فمنذ أكثر من عقد، تؤكد مصر أنها طرقت كل الأبواب الدبلوماسية، وقامت بالتحذير مرارًا من أن أمنها المائي خط أحمر، وأنها تحتفظ بحق الدفاع الشرعي عنه، حقٌّ مكفول لها بموجب الشرعية الدولية، خاصة وأن نهر النيل نهر دولي لا تملكه إثيوبيا حتى تتصرف فيه كما تشاء.
أما الشرط الثاني، فهو بناء تحالف سياسي داعم، وهذا ما حرصت عليه القاهرة، فهي تحظى بتأييد عربي كامل عبر جامعة الدول العربية، كما نجحت في تشكيل تحالفات قوية مع دول إفريقية تتقاطع مصالحها مع مصر وتتيح لها التحرك داخل المجال الحيوي لإثيوبيا بثقة ودعم.
سد النهضة.. الواقع الجديد
سد النهضة أصبح واقعًا، ومصر ترفض الاعتراف به.
التوتر مستمر على الجبهة الشرقية، والمواجهة المقبلة على المحك.
الهواجس المائية، الضغط السياسي، والمستقبل المجهول للجفاف كلها عناصر تدفع القاهرة للاستعداد لكل الاحتمالات.
"مصر وإثيوبيا.. المواجهة الحاسمة"
يتحول سد النهضة الإثيوبي، وبعد نحو 14 عامًا، إلى أمر واقع بافتتاحه رسميًا.
السد الذي مازال يشكل موضوع خلاف حاد بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، يرى النور رسميًا بعد انتهاء أعمال البناء وسط حضور دولي محدود ومقاطعة من مصر والسودان.
الجدل المستمر حول السد
حتى بعد استكماله، فإن الجدل لا يزال يرافق هذا السد كما رافقه على امتداد سنوات بنائه، فالأطراف الثلاثة المعنية بهذا المشروع لم تتوصل إلى اتفاق حتى الآن، وبالتالي ترفض القاهرة والخرطوم الإقرار بالسد كأمر واقع.
عاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ليكرر نفس الخطاب لجيرانه، مؤكدًا أن السد لا يشكل تهديدًا لأي من مصر والسودان، كما شدد على أن بلاده تستخدم موارد النهر العابر للحدود بشكل محدود فقط، ولم تأخذ شيئًا لا يخصها.
لكن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل، ولهذا لا تعترف بالسد كأمر واقع لأنه على نهر دولي عابر للحدود لا تملكه إثيوبيا.
المخاوف المصرية
الهواجس المصرية كثيرة، أهمها التأثير على حصتها المائية، ويقول الخبراء إن مصر تأثرت بالفعل.
كما تنشغل القاهرة بإمكانية استخدام ملف المياه للضغط في ملفات أخرى، خصوصًا مع العلاقات التي تربط إثيوبيا بإسرائيل، والضغط الأمريكي والإسرائيلي على مصر للقبول بإخراج الفلسطينيين من أرضهم. وقد أكدت ذلك شكوك مصر بأن السد أصبح ورقة ضغط، وهو ما عبّرت عنه الإدارة المصرية بشكل علني.
هاجس آخر لدى القاهرة هو أن تقوم أديس أبابا بتسليع المياه واحتجازها خلف السد، فالمشروع ليس لتوليد الكهرباء فقط، بل أيضًا لبيع المياه.
كما أن مرور تجربة بناء السد قد يشجع رئيس الوزراء الإثيوبي على التمادي، خصوصًا مع إعلانه أنه يخطط لبناء مزيد من السدود العملاقة على غرار سد النهضة.
سيناريوهات الجفاف والمستقبل الغامض
في ظل غياب اتفاق بشأن السد، يبقى الهاجس الأكبر هو ما سيحدث في سنوات الجفاف القادمة لا محالة.
سلكت مصر كل الطرق الممكنة من مفاوضات طويلة وشاقة لم تفضِ إلى شيء، والشكوى أمام مجلس الأمن، وصولًا إلى إبرام اتفاقيات عسكرية مع الدول المحيطة بإثيوبيا، وإرسال قوات مصرية إلى الصومال لتبقى مصر قريبة من منابع النيل.
ومصر لم تستبعد أي خيار في التعامل مع ملف السد الذي تصفه بالتهديد الوجودي.
ملفات موازية على الجبهة الشرقية
سد النهضة، وإن كان الملف الأهم الذي يشغل مصر حاليًا، إلا أن البلاد منشغلة أيضًا بما يجري على جبهتها الشرقية في سيناء.
إسرائيل ما زالت تطالب الفلسطينيين في القطاع بالتوجه جنوبًا إلى الحدود مع مصر، وهذا أمر لا تفهمه القاهرة سوى بمنطق واحد: أن مخطط إخلاء القطاع من السكان يجري على حدودها.
في الوقت نفسه، ما زال الاتفاق الذي طرحه ترامب عالقًا رغم التسريبات التي تشير إلى أنه سيضمن تنفيذه بشكل شخصي.
إسرائيل ما زالت في وضع معقد، فخسائرها مستمرة في القطاع، والطائرات المسيّرة التي تُطلق من اليمن ما زالت قادرة على الوصول إلى أهداف حيوية من المطارات وحتى قرب مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي.
مصر في حالة تأهب، فالتوتر قرب حدودها المباشرة على أشده، وأمنها المائي على المحك، والمواجهة على كلا الجبهتين تلوح في الأفق.

تعليقات
إرسال تعليق